ساسي سالم الحاج
20
نقد الخطاب الاستشراقي
أن التعريف الحقيقي للشيء طبقا لقواعد المنطق هو « التعبير عن ماهية الشيء » « 1 » ، وبعبارة أخرى هو البحث عن العناصر الجوهرية الأساسية التي يتألف منها ذلك الشيء ، إلا أن الدقة والوضوح المطلوبين في التعريف لا يؤديان عادة إلى التعبير بدقة ووضوح عن ماهية الشيء المراد تعريفه . ونظرا للأسباب الآنف بيانها فإننا لا نود تعريف الاستشراق طبقا لما ينص عليه المناطقة ، ولكننا سنتناول دراسة مفهومه حتى لا نخطئ في تعريفه ، خاصة إذا علمنا شبه استحالة تعريف الشيء أو الاسم المعرف ، فنقول : إن الاستشراق يؤخذ بعدة مفاهيم متداخلة ومتكاملة في آن واحد ، فهو أحيانا يراد به ذلك العلم الذي تناول المجتمعات الشرقية بالدراسة والتحليل من قبل علماء الغرب . وأحيانا يقصد به أسلوب للتفكير يرتكز على التمييز المعرفي والعرقي والإيديولوجي بين الشرق والغرب . ومرة أخرى يحدد مفهومه بالناس الذين يقومون به ونعني بهم « المستشرقين » وهم الكتّاب الغربيون الذين كتبوا عن الفكر والحضارة الإسلامية « 2 » . وإذا ما ذهبنا إلى أبعد من ذلك لرأينا كتّابا معاصرين مثل إدوارد سعيد ينعتون الاستشراق بوصفه نمطا من الإسقاط الغربي على الشرق وإرادة السيطرة عليه « 3 » . ونستنتج من هذا المفهوم أنّ الاهتمام بأحوال الشرق ، والكشف عن عقليات شعوبه ، وأسراره ، وأمزجته ، وحضارته وتلمس مواضع القوة والضعف لهذه الشعوب توطئة لحملات التبشير وموجات الاستعمار ، ثم بعد انحسار الاستعمار المباشر أصبح الاستشراق يمهد الأرضية الصالحة للاستعمار الاقتصادي والسياسي والثقافي لشعوب الشرق بصفة عامة ، وشعوب الشرق الأدنى بصفة خاصة . ونحن إذا قمنا باستعراض كلّ المفاهيم التي دبجت حول الاستشراق ، فإننا لن ننتهي أبدا ، ولكننا نسمح لأنفسنا أن نحدده بالدراسة المتقصية المتنوعة المتعددة الأغراض التي مارسها الغربيون لمحاولة فهم الشرق والتعرف إلى كنوزه الحضارية ، وعاداته وتقاليده وحضارته وديانته وكل منحى من مناحي حياته ، مهما كان الغرض
--> ( 1 ) ابن سينا ، منطق المشرقين ، القاهرة ، 1910 ، ص 36 وما بعدها . ( 2 ) مالك بن نبي ، إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث . مجلة الفكر العربي ، يونيه 1983 م ، السنة الخامسة ، ص 130 وما بعدها . ( 3 ) إدوارد سعيد ، الاستشراق ، ترجمة كمال أبو ديب ، مؤسسة الأبحاث العربية ، ص 120 .